أحمد بن يحيى العمري
52
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وسيلة ، وإلا فالمشرق من كتابه المتأخرين من اقتطف الزّهر والزّهر ، وجر ردنه على المجرة والنهر ، وأتى بما هو أضوع من العبير ، وأضوأ من جبهة القمر المنير ؛ وردوا غدر البلاغة فشربوا زرق نطافها ، وساموا رياض البراعة وشرعوا في قطافها ، فولدوا المعاني واخترعوها ، وابتدؤوا أحسن الطرق وابتدعوها ؛ وفتن الألباب كلامهم الدّرّ ، ولفظهم الرقيق الحرّ ؛ وأدعى قول نقوله للحقّ : إنّ من لدن المئة الرابعة وهلم جرا أهل المغرب في هذه الصناعة أكثر رجالا وأهل المشرق أبرع رجلا ، وإنما أردنا بتقديم من قدمنا ذكره من الوزراء والكتّاب ، وإن لم يكن ما يؤثر عنهم ممّا يناسب درّه كله نظم هذا السّحاب ، لإثبات الفضل للشرق على الغرب في تلك المدد الطوال والسنين الخوال ، فإن الشرق كان معمورا بمثل هؤلاء ، والغرب قفر يباب أكتب من فيه نقول له : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ « 1 » على أن هؤلاء القدماء وإن لم يدخلوا في الغوص من هذا الباب ، ولا أتوا باللّب اللّباب ، فما فاتهم سابقة فضل في فضل ، ولا قصّر بهم راية عن غاية ، وفي أثناء ما ذكرناه دليل ، لولا الاكتفاء به لبيناه مع سعة هذه المقدرة والتقدم في دول الخلفاء ، والتقرب في خواطرهم إلى محل الاصطفاء ، وما أجري لهم من الارزاق ، أو جرى بهم من الأموال ، وأقلها خزائن والإقطاعات ، وأصغرها مدائن والنّفقات ، وأهولها قناطير مقنطرة ، والعطايا وبعضها جمل مستكثرة ، والدولة الزاهرة وكانوا أطوادها ، والصولة القاهرة وكانوا إذا رؤوا آسادها ، والخلافة وكانوا عمادها ، والإمامة وكانت أقلامهم سيوفها والسيوف أغمادها ، والمفاخر وقد جمعوا شتيتها ، والمآثر وقد استطابت على مطارف السّحاب مبيتها ، واغتنام الأيام وصنائع ملكوا بها رقّ الأحرار ، وأطافوا بها على الأكباد الحرار ؛ فيا أيّها المباهي للمشرق بالمغرب ، والمباهل في هذا الفضل المغرب ، ها قد قلنا لك بعض
--> ( 1 ) سورة الشورى : 52 .